القاضي النعمان المغربي
50
تأويل الدعائم
الشمع وتملؤه بعد ذلك عسلا والزنابير لا تفعل ذلك والدبر جماعة الزنابير . وقد سمعتم فيما بسط لكم من الأصول وقرئ عليكم من حد الرضاع في الباطن أن لكل جنس من الحيوان أمثالا من الناس يرمز في الباطن بهم لهم ويكنى عنهم بذكرهم في القرآن وفي الكلام ومن ذلك قول اللّه : « وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ » « 1 » فأخبر تعالى جل من مخبر أن جميع الدواب والطير أمثال للعباد الآدميين فضرب من ذلك أمثالا كثيرة قد سمعتم بعضها وتسمعون من ذلك ما يأتي في موضعه إن شاء اللّه تعالى وقد سمعتم أن أمثال حشرات « 2 » الأرض وخشاشها والهوام أمثال الحشو والرعاع من الناس وأن النحل أمثال المؤمنين . ومن ذلك الحديث المأثور : « المؤمنون كالنحل لو علمت الطير ما في بطونها لأكلتها » كذلك المؤمن لو علم الكافر ما فيه من الفضل والعلم والحكمة لقتله حسدا له ، والزنابير أمثال حشو أهل الباطل الذين يتشبهون بأهل الإيمان كما أن الزنبور يشبه النحل ويحكى صنعة بيتها الّذي تصنعه بالشمع فيبنيه الزنبور بالطين وليس فيه عسل كذلك أمثاله من حشو أهل الباطل لا خير عندهم وإن تشبهوا بأهل الحق ، والضب أحد الحشرات فضرب صلى اللّه عليه وسلم جحر الضب وخشرم الدبر والدبر جماعة الزنابير كما قلنا مثلا لدعوة أشرار الناس وأوباشهم وأخبر الأمة أنهم سيسلكون في اتباعهم أمثالهم مسلك من تقدمهم من الأمم وقد فعلوا واتبعوا السفلة والأشرار وأوباش الخلق وائتموا بهم وكذبوا عليه صلى اللّه عليه وسلم فزعموا أنه قال أطع إمامك وإن كان أسود مجدعا فائتموا بالسودان والعبدان والأوباش والأشرار ونصبوهم أئمة من دون أولياء اللّه فهذا تأويل الحديث ومنه قول يعقوب ليوسف : « وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ » « 3 » فأما جحر الضب وخشرم الدبر فليس مما يدخله الناس ولا يصح القول بذلك في الظاهر وقول اللّه تعالى : « وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ » « 4 » له تأويل سيأتي ذكره في موضعه إن شاء اللّه تعالى .
--> ( 1 ) سورة الأنعام : 38 . ( 2 ) الخرشات ( في ح ) . ( 3 ) سورة يوسف : 6 . ( 4 ) سورة الأعراف - 40 .